عبد الوهاب الشعراني

312

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

اللّه عزّ وجلّ ، وما جعل اللّه تعالى التكاليف إلا ليذل بها النفوس بين يديه ولا يرى بها المكلف شرف نفسه على أحد من خلق اللّه تعالى فإن ذلك ذنب إبليس الذي أخرج به من حضرة اللّه عز وجل وكل من ادّعى مقام القرب مع عدم الإذلال فهو كاذب انتهى . ( فإن قلت ) : قد ورد أن آدم عليه السلام ، لما أكل من الشجرة اسود جسده وقد يتبادر إلى الأذهان أن ذلك يؤذن بأن آدم عليه السلام ، أثرت فيه المعصية نقصا ما . ( فالجواب ) : ليس اسوداد بدنه علامة على نقصه بل هو علامة على حصول سيادته كما ذكره الشيخ في الباب الثاني والسبعين في الكلام على حديث : « نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم » . قال : وكذلك القول في اسوداد جسد آدم عليه السلام ، لما أكل من الشجرة يدل على سيادته لأن ذلك أورثه الاجتباء والاصطفاء ولولا أكله من الشجرة لما ظهرت سيادته وكذلك الحجر الأسود لما خرج من الجنة وهو أبيض ، فلا بد من أثر يظهر عليه تعرف به سيادته في دار الدنيا إذا رجع إلى الجنة ويتميز به عن أقرانه ويظهر به عليه خلعة التقريب الإلهي في جعله يمين اللّه في الأرض ولم يكن من الأكوان ما يدل على السيادة إلا اللون الأسود فكساه اللّه تعالى لون السواد إعلاما لنا بأنه صار سيدا بخروجه من الجنة إلى الدنيا . ( قلت ) : ولعل من هذا القبيل جعل ستر الكعبة أسود ، وكذلك عمائم خلفاء بني العباس وغيرهم ولعل ذلك هو سر لبسه صلى اللّه عليه وسلم ، العمامة السوداء يوم فتح مكة إظهارا لسيادته على الخلق من باب التحدث بالنعمة . فعلم أن معنى قوله في الحديث فسودته خطايا بني آدم . أي : جعلته سيدا بتقبيلهم إياه وكذلك القول في اسوداد جلد آدم هو يدل على سيادته لأن هبوطه الأرض هبوط خلافة له للتناسل والترقي . ( فإن قلت ) : فما الوجه الجامع بين سواد الحجر وجلد آدم وبنيه ؟ ( قلنا ) : وجهه الاجتباء والسيادة فكان تقبيل الحجر يشبه الاجتباء والاصطفاء لآدم عليه السلام ، وبنيه بسبب خطاياهم .